المعارف الإسلامية و أزمة المثقفين

المعارف الإسلامية و أزمة المثقفين
326 زائر
20-06-2009
المحامي الدكتور مسلم اليوسف

المعارف الإسلامية

و

أزمة المثقفين

بسم الله الرحمن الرحيم

إنا نحمد الله حمدا كثيرا يوافي نعمه ويدفع عنا نقمه ، ونصلي و نسلم على إمامنا و إمام المرسلين محمد بن عبد الله صلى الله عليه ، و آله وسلم نبي الرحمة و الملحمة ، وبعد :

إن الفراغ الفكري الذي سيطر على كثير من مثقفي الأمة – إلا ما رحم ربي – لعدة عقود وسيطرة المؤسسات الاستشراقية و الاستعمارية وتلاميذهم الجدد على الثقافة المعاصرة و عموم المعارف كانت مأساة تاريخية عظيمة للعالم الإسلامي ، انتهت في كثير من الأحيان إلى عزل كثير من أجيالنا عن الثقافة الإسلامية الصحيحة الأصيلة عزلا يكاد أن يكون كاملا ، من حيث سيطرة الثقافات المادية اللادينية سيطرة شبه تامة على مؤسساتنا التعليمية بمختلف مستوياتها و دوائرنا الثقافية والإعلامية والاقتصادية التي غدت تفكر و تخطط لتغيير شامل لحياة المسلمين بمعزل عن الإسلام عقيدة وشريعة ، لا بل عدت تلك الجهات بمختلف تصنيفاتها الإسلام و كل ما فيه فكرا غيبيا رجعيا ، ولا يمكن التقدم و التطور إلا بوضع الإسلام و معارفه البدائية – بحسب تعبيرهم – ومن يمثله ويتبعه في الأقبية المظلمة و على الرفوف المهملة .

ومن يتتبع فهارس الدراسات الجامعية و غير الجامعية و المجلات و الدوريات يلاحظ تجاهل الإسلام تجاهلا تاما رجالا و علما و مذهبا و تاريخا و إن ذكر فيذكر من خلال السخرية و الاستهزاء فقط .

ثم بدأ ثلة من علماء و المفكرين يتحررون – بفضل الله ثم بفضل المخلصين لهذا الدين – من سيطرة الثقافات الإلحادية المادية و اللادينية و العودة إلى نور الله تعالى فيدرسوا عقيدتهم و شريعتهم وما قدمه علماء الأمة الإسلامية عبر العصور من دراسات و نظريات و علوم معارف .

ونستطيع أن نصف أولئك المفكرين و العلماء و المثقفين إلى قسمين :

قسم كانت دراساته للإسلام و معارفه وحضارته عميقة شاملة ، انطلق فيها من خلال حب الوصول إلى الحقيقة فوصل إلى نتائج باهرة بتوفيق الله سبحانه و تعالى .

فصرح بذلك بكل وسائل الإعلام المتاحة من كتب و محاضرات مرئية و مسموعة و مكتوبة .

وقسم آخر لا يزال مع صراع ضار مع ثقافاته الماضية التي شكلت بقوة خلفيته الثقافية و قناعاته الشخصية .

وهذه الفئة المثقفة تدرك الإسلام بقدر ما تبذل من جهد وصدق و توفيق الله سبحانه فبقدر ما تحمل على النفس الآمرة بالسوء فتتخلص من التعصب الأعمى و الرواسب البالية و الهوى الجامح المتبع تتوفق في الفهم و الإدراك .

والحقيقة التي لا يمكن أن نهرب منها أن هناك عوامل كثيرة تحول بين المنتمين إلى هذه الفئة و بين عودته إلى الله تعالى و طريقه المستقيم و لعل منها ما يلي :

أولا – إن الذي تربى على موائد الثقافات الغربية بكل ما فيها من تناقضات وشاب عليها من الصعوبة البالغة أن يتحرر منها لأنها سرت به و كأنها دمه فأصبح يفكر بطريقتها و يحكم على الأشياء بقوانينها .

فهو إن لم يهده الله سبحانه و تعالى عن طريق سبب من الأسباب كأن تحدث في كيانه ومكونات عقيدته هزة عنيفة تحوله من الظلام إلى النور و الشك إلى اليقين ومن الجهل إلى المعرفة بالله .

ثانيا – وهو الذي ينطلق من ثقافته الغربية ، ويحاول أن يفهم الإسلام وعلومه و حضارته من خلالها ، أي أنه يحكم من خلال ضوابط وخصوصية نمط حضاري آخر يختلف عنه اختلافا جذريا ، وعلى هذا النمط من التفكير و الحكم سيقوده لا محالة إلى نتائج خاطئة و أحكام باطلة.

فأمثال هؤلاء يدرسون أي عالم مسلم من خلال فكرهم العلماني فيجدونه بحسب وهمهم يدعو إلى ما يدعون إليه من فصل الدين عن الدولة ويوهمون الجيل و من يريد ان يخدع أن العلمانية لا تشكل خطرا على الإسلام ولا تصطدم معه بل تصطدم مع بعض المفسرين و المتشددين في فهم النصوص على نحو غير المراد بحسب زعمهم .

وهم ينسون و يتناسون أن علماء المسلمين كانوا يفكرون في إطار وضوابط الحضارة الإسلامية ، ويستحيل لأي منهم أن يخرج عن هذه الضوابط أبدا .

فأبا ذر الغفاري رضي الله عنه أبو الاشتراكية عند الاشتراكيين و لبرالي عند اللبراليين وهو رضي الله عنه منهما و أمثالهما براء فهو صحابي جليل التزم بالإسلام نصا وروحا و يخرج كغيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم و أئمة سلفنا الصالح رضوان الله عليه أجمعين عن الضوابط الإسلامية قيد أنملة .

ثالثا – وهناك صنف من المثقفين الذين ينطلقون في فهم الإسلام من خلال واقعه التاريخي في مجالات العلوم كلها .

و هذا الفهم قد يحمل من خصائص الفكر الذاتي وأخطاء وقصور العقل البشري ، كما يحمل سلبيات وانحرافات المراحل التاريخية التي نتجت من الاحتكاك المباشر بين الحضارة الإسلامية الحضارات الأخرى ، وكذلك المخططات الثقافية التي نسج خيوطها الأعداء في أوكار التآمر على الإسلام و أهله خلال تاريخه الطويل .

إنهم لا يدركون أن الإسلام وحي من عند الله تعالى و هو مستقل عن كل زمان و مكان و أن معظم الثقافات التي دارت حوله إنما تمثل أشخاصها و عصورها ، و يمكنها أن تمثل الإسلام .

ومن هنا كان لابد من الفصل الكامل عند الحكم بين الوحي و الفكر أو الوحي و التراث حتى تكون المراجعة واضحة و مفيدة .

ومن يمكننا أن أقوال و آراء المعتزلة وشواذ المتصوفة لا يمكن هي الإسلام نفسه بل هي أفكار متأثرة بالحضارات الدخيلة على عالمنا الإسلامي و ديننا الحنيف .

فالذي يريد أن يحكم على قضية لابد أن يعرضها على أصول الإسلام القاطعة في الكتاب و السنة و الإجماع إن كان لا يزال يعتقد بعصمة الوحي الإلهي .

وختاما فإننا ندعو المثقفين و أهل العلم و المعرفة الذين يريدون الحق و الإنصاف أن يدرسوا الإسلام و مختلف علومه دراسة شاملة و مختصة كل من خلال اختصاصه ، حتى لا يحكموا على القضايا حكما مبتورا مبهما بعيدا عن الحق و أهله ، يبعدهم عن الإسلام و مذهبتيه الواضحة في ضوء منهج علمي موضوعي بعيد عن الأحكام المسبقة و المصطلحات المادية و المبادئ التي تعود إلى منظومات حضارية تتنافى مع أصول الإسلام .

و أختم قولي هذا ، بقول الله سبحانه و تعالى :

( ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار * ربنا وآتنا ما ودعتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد ) سورة آل عمران ، الآية 193-194.

و الحمد لله رب العالمين

بقلم

المحامي الدكتور مسلم اليوسف

1 صوت
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/700
تعليقك
7 + 8 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
المقال السابقة
المقالات المتشابهة المقال التالية
جديد المقالات
القائمة الرئيسية
صوتيات ومرئيات
القائمة البريدية

ادخل بريدك ليصلك جديدنا

ضع ايميلك هنا:

الرجاء ملاحظة أنك بحاجة للبرامج التالية :

Download Windows media Player Download RealPlayer11GOLD Download Flash Player Download Adobe Acrobat Reader Download WinRAR

المعلومات الواردة في هذه الصفحة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وإنما تعبر عن وجهة نظر كاتبها أو قائلها
يحق لك أخي المسلم الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري

جميع الحقوق محفوظة لموقع طريق الحق