| * كفى تزمتاً وتديناً وتأخراً:
تراه ماشياً ببطء شديد وسمت غريب، مكفهرَّ الوجه خافض الرأس عليه ثياب قديمة، إحدى أطراف شماغه قريب من أذنيه والآخر متدلي أسفل من الركبة رافعاً صوته يردد " لعنة الله على اليهود والنصارى " لا يلتفت بل يلقي السلام عليك دون أن يراك وكأنه يملك قرون الاستشعار كما هي بعض المخلوقات.
لا يبتسم أبداً لعله لا يستطيع أن يتحكم بحركة فمه بصورة جيدة، يركب سيارته القديمة التي لا يستطيع عامل النظافة النظر إليها بل إنه يغضُّ الطرف عنها وكأنه يرى فتاة عذراء ليست من قريباته، وبعد عدة محاولات مني بشتى الطرق المادية والرومانسية والتجسسية لمعرفة سبب صدوده عن السيارة إذ به يدلي بتصريح غريب قائلاً: إنها السيارة الوحيدة التي لم أجني منها أي أموال مع أنها بحاجة إلى غسيل منذ شهرين.
إذا خرج من منزله فكل ما بالطريق يتغير وكأنه مخلوق عجيب أتى من كوكب زحل !! فيقف الأطفال عن اللعب بالكرة عند مروره بقربهم لخوفهم ووجلهم منه، حيث أنه قام بأخذ كرة أحد الأطفال ولم يردها إليه وذلك عندما رآهم يلعبون قبيل أذان المغرب !
حتى النساء بالطريق يسكتن عن الحديث ويبتعدن إلى جانب الطريق المقابل له و كأن بهن مسٌ من الجن والعفاريت ذلك لأنه في إحدى الليالي كنَّ سبعة من نساء الحي عائدات من زيارة إحدى جاراتهن التي أصيبت بمرض السكر مما أدى إلى ضمور جسمها وتغير حالها فلهول ما رأينه رفعن أصواتهن في الطريق معبِّرات عن أسفهن لمرض الجارة، فإذ بصاحبنا رافعاً صوته صارخا في وجوههن.. اغضضن أصواتكن واتقين الله فإنكن أكثر حطب جهنم !! فمن شدة صوته واحمرار عينيه وسوء وقع الكلمات أسرعن بالمشي حتى إن بعضهن قد تجاوزت باب بيتها ثم عادت إليه بعد أن عادت إليها ذاكرتها !!
لا يحبه أحدٌ في الحي، مع أنه إمام مسجد الحي و مدرس لأبنائهم لمن هم في المرحلة الثانوية، حيث أنه لا يتوسط لأحد أبناء الحي مهما كان على قدرة في المساعدة معللاً.. أنا مع الحق وضد الواسطة حتى لو كان الحق مع الطالب !!
إذا مررت بشقته فكأنك مررت بمقبرة مهترئة فلا تسمع أي همس، فليس بالبيت تلفاز ولا استيريو ولا بلاي ستيشن ولو حتى قناة المجد !! وليس في البيت للأبناء ألعاب حيث أنه يريد تربيتهم على معالي الأمور منذ الصغر !!
ولا يخرج الأبناء إلا إلى المدرسة حيث أن الشارع مليء بالمشكلات والأطفال المشاكسين في نظر أبيهم، أبنائه يلزمون الصمت بحضوره وإذا رأيتهم حسبتهم من أبناء التأهيل الشامل يفرحون بخروجهم من المنزل ولكنهم سرعان ما يعودون إليه خوفاً من تهديدات أبيهم التي تنصُّ على عدم الخروج إلا إلى المدرسة والمسجد ولكن شريط أن يكون هو معهم.
زوجته يراودها الشيطان كل يوم لتبحث عن رجل يلقي عليها كلمات الحب والغزل ولو كذباً وزوراً، حيث أنه لا يوجد لديه وقت لهذه الأمور التافهة وزوجته ليست صغيرة أو مراهقة في نظره !!
هذه صورة أصبحت مرسومة ومبتذلة عن الشاب المستقيم لا أقول في الإعلام الغربي فقط بل وللأسف في بعض إعلامنا العربي بل وفي بعض صحفنا المحلية فهل نصدق كل ما نقرأه ونشاهده أم الأولى بنا التثبت وعدم التسرع.
لو ألقينا نظرة عابرة سريعة في علمائنا ومشايخنا أهم كما هي الحال التي يصورونها بقنواتهم وصحفهم، ألم يكن القائد الأول صلى الله عليه وسلم أحب الناس إلى الناس، ألا يكفينا قول عمر: والله يا رسول الله إنك أحبُّ إلي من والدي وولدي والناس أجمعين، ألم يأت الحبيب صلى الله عليه وسلم لزرع الحب ونشره وإهداءه إلى قوم غلبت عليهم الأحزان والنكبات والثارات والحروب.
ألم يكن الخليفة أبوبكر هو من يطبخ وينظف ويكنس بيت تلك العجوز العمياء تأصيلاً منه لمبدأ الحب والتعاون والتآلف ؟!.
ألم يكن ابن باز علماً يهتدى به في عصرنا هذا ؟! علماً شامخاً راسخاً في سمو الدين والأخلاق، ألم يكن يقصده الفقير واليتيم و الأرملة والمسكين ويعطيهم ما تنوء بحمله الجبال.
ألم يكن ابن عثيمين رحمه الله صاحب دعابة وحلم وحسن أدب حتى مع من يخالفه ؟!.
صورٌ غُيِّبت مع ثبوتها وصدقها يقيناً، وأصبحنا نثق بالكلام التافه والترَّهات من الروايات والمسلسلات والأفلام ونسينا الأصل الأصيل التدين الصحيح، التدين الذي يسوق الناس إلى المعالي بالسماحة واللين والابتسامة والموعظة الحسنة، التدين الذي يراعي الصغير قبل الكبير، والمرأة قبل الرجل، والفقير المسكين قبل ذو الجاهة الغني، إنها دعوة لقراءة وتمعن مبدأ التدين الصحيح لا التدين المصطنع الذي يروجوه. |