ومن الواضح أن نتنياهو يعلم أنه سيلقى دعم الرئيس الأمريكي الحالى أوباما لتنفيذ خطته التطبيعية الجديدة، حيث روج الرئيس الأمريكي لهذه الخطة، قبل زيارة للقاهرة، من خلال دعوته للدول العربية بضرورة اتخاذ خطوات عملية نحو التطبيع مع تل أبيب، من أجل دفع عملية السلام فى المنطقة، وهو ما أكده فى خطاب جامعة القاهرة، لكن بصورة أكثر تخفيا، حيث قال: ( يجب على الدول العربية أن تعترف بأن مبادرة السلام العربية كانت بداية مهمة، وأن مسؤولياتها لا تنتهي بهذه المبادرة، كما ينبغي عليها ألا تستخدم الصراع بين العرب و”إسرائيل” لإلهاء الشعوب العربية عن مشاكلها الأخرى، بل يجب أن تكون هذه المبادرة سببا لحثهم على العمل لمساعدة الشعب الفلسطيني على تطوير المؤسسات التي سوف تعمل على مساندة دولتهم، ومساعدة الشعب الفلسطيني على الاعتراف بشرعية إسرائيل واختيار سبيل التقدم بدلا من السبيل الانهزامي الذي يركز الاهتمام على الماضي) .
واذا ما ربطنا ذلك بخطاب نتنياهو يوم الأحد الماضي سنعى جيدا ماذا كان يعني أوباما بكلامه السابق ، حيث قال نتنياهو بالحرف الواحد : (إنني أناشد الدول العربية التعاون مع الفلسطينيين ومعنا للمضي قدماً بالسلام الاقتصادي. إن السلام الاقتصادي لا يأتي بديلاً عن السلام السياسي لكنه يشكل مقوّماً هاماً في إنجازه. إننا سنستطيع معاً تطوير مشاريع تتخطى النواقص في منطقتنا مثل إزالة ملوحة مياه البحر ومشاريع تستفيد من مميزاتها مثل استغلال الطاقة الشمسية أو مد خطوط أنابيب الغاز والنفط وخطوط المواصلات التي تربط بين آسيا وأوروبا وإفريقيا) .
ولم يخف نتنياهو رغبته الجامحة فى تحقيق مزيد من التطبيع المجاني مع الدول العربية، حيث أكد فى خطابه، بأنه مستعد لزيارة الرياض ودمشق وبيروت، من أجل التوصل إلى السلام، فى حين تناسى أن أصحاب المشكلة الحقيقيين هم الفلسطينيين، المتواجدون فى رام الله وغزة.
وفى محاولة مبتذلة لاستقطاب الدول العربية، أعرب نتنياهو عن إعجابه الشديد بالتقدم الاقتصادي الكبير الذى حققته دول الخليج العربي، والتى دعاها للاستثمار مباشرة فى إسرائيل، بزعم مساعدة الفلسطينيين، حيث قال فى خطابه:(أنني أتوجه من هنا إلى قادة الدول العربية وأقول لهم: تعالوا لنتقابل لنتحادث عن السلام ونصنع السلام. إنني مستعد للقائكم في أي وقت. إنني مستعد للحضور إلى دمشق والرياض وبيروت – إلى أي مكان...إن النجاح الاقتصادي الذي حققته دول الخليج ترك أثره على العالم بأسره وعليّ أيضاً. إنني أدعو المبادرين الموهوبين من العالم العربي للوصول والاستثمار هنا لمعاونة الفلسطينيين ومعاونتنا على القفز بالاقتصاد إلى الأمام. إننا سنستطيع سوياً تطوير مناطق صناعية توفر الآلاف من فرص العمل بالإضافة إلى المواقع السياحية التي تستقطب الملايين من السياح الراغبين في السير على دروب التاريخ سواء في الناصرة أو في بيت لحم وأسوار أريحا وأورشليم القدس وضفاف بحيرة طبريا. بإمكاننا الاستفادة هنا من طاقات أثرية وسياحية هائلة إذا ما عرفنا كيفية التعاون فيما بيننا من أجل تطويرها).
هكذا بات جلياً ما يخطط له اوباما ونتنياهو للعرب فى الخفاء، ولا يجب أن تعمى أعيننا بالخلافات التى تظهرها الإدارة الأمريكية مع تل أبيب بشأن المستوطنات، فالأمر كله لا يعدو كونه سجالا متكررا، فالعلاقة بين واشنطن وتل أبيب، قوية ، وقد أكد اوباما على متانتها من قلب جامعة القاهرة حينما قال :( إن متانة الأواصر الرابطة بين أمريكا وإسرائيل معروفة على نطاق واسع. ولا يمكن قطع هذه الأواصر أبدا، وهي تستند إلى علاقات ثقافية وتاريخية وكذلك الاعتراف بأن رغبة اليهود في وجود وطن خاص لهم هي رغبة متأصلة في تاريخ مأساوي لا يمكن لأحد نفيه).
ولعل أبلغ دليل على وجود اتفاق مسبق بين أوباما ونتنياهو للتلاعب أكثر بالعرب ، هو مسارعة الرئيس الأمريكي بتهنئة نتنياهو على خطابه الذى ألقاه، واصفا إياه بأنه خطوة مهمة على طريق السلام.
لكن كيف يكون ذلك وهو يوجه لب الصراع الى منحى جديد، وهو الصراع الديني، أو الحرب الدينية، فمعنى إصرار نتنياهو على ضرورة الاعتراف بيهودية إسرائيل، كشرط لقيام دولة فلسطينية، هو أنه لا يريد وضع نهاية للصراع الدائر فى المنطقة منذ أكثر من ستين عاماً.
وقد أدرك الرئيس "حسني مبارك" ملامح المخطط الجديد، لذا أكد على رفضه المطلق مبدأ الاعتراف بالدولة اليهودية، وأن ذلك يضع المزيد من العراقيل أمام عملية السلام فى الشرق الأوسط.
ومما يؤكد على لعبة أوباما – نتنياهو فيما يتعلق بوقف المستوطنات، فقد أعلن المستوطنون اليهود، عقب خطاب نتنياهو، عن اعتزامهم لبناء عشرات المستوطنات الصهيونية الجديدة بالضفة الغربية.
وحسبما ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية فقد أعلن المستوطنون اليهود اعتزامهم بناء عشرات المستوطنات، بدعوى أن "نتنياهو" لم يتعهد بإخلاء المستوطنات الصهيونية، كما كانت تطالب واشنطن، لكنه فى ذات الوقت أعلن بأنه لا يعتزم بناء مستوطنات جديدة.
وأكد المستوطنون اليهود أن بناء المستوطنات الجديدة، سيكون الرد الوحيد لهم على مطالب واشنطن، بل ويعتزمون توسيع المستوطنات القائمة.
وذكرت الصحيفة العبرية أن "بنحاس فلرشتاين" المدير العام لما يسمى بمجلس المستوطنات الصهيونية فى الأراضي المحتلة، قد توجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لإجراء جولة محادثات مع مسئولي الإدارة الأمريكية، وكبار المسئولين اليهود، من أجل الترويج لحملة جديدة لدعم الاستيطان الصهيوني، وللوقوف ضد إقامة الدولة الفلسطينية .وكان "فلرشتاين" قد صرح بالأمس عقب خطاب "نتنياهو"، بأن خطابه أزاح من على كاهله حملاً ثقيلاً للغاية، مؤكداً بأنه فخوراً بالصهيونية الكبيرة التى أظهرها فى خطابه، واصفاً إياه بأنه صهيوني بامتياز.
وأضاف "فلرشتاين": لم يذكر "نتنياهو" فى خطابه كلمة إخلاء المستوطنات، أو تجميدها، وإنني آمل أن يتيح ذلك بناء المزيد من المستوطنات الصهيونية. . كما كشفت مصادر رسمية اسرائيلية النقاب عن وجود اتصالات مكثفة بين واشنطن وتل أبيب حالياً، من أجل تغيير الإدارة الأمريكية لموقفها إزاء قضية المستوطنات اليهودية، بالأراضي الفلسطينية المحتلة. وبحسب المصادر فأن رئيس الوزراء"بنيامين نتنياهو" يجرى فى هذه الآونة مفاوضات مع واشنطن بشأن قضية البناء فى المستوطنات الصهيونية، وسط زعمه بعدم وجود سند قانوني بوقف البناء فيها.
ومن جانبه أوضح "مايكل أورن" سفير اسرائيل الجديد لدى واشنطن قائلاً:-" إنني مقتنع بأننا سنتوصل إلى اتفاق مع المسئولين الأمريكيين فى هذه القضية قريباً، بشكل يتيح لنا وضع قضية الاستيطان، فى جانب، والتركيز على القضايا الجوهرية فى عملية السلام، على حد زعمه. ورفض ذكر أية تفاصيل بشأن الاتفاق المرتقب مع واشنطن. مشيرا إلى عرض الجانبين لأفكار جديدة للتغلب على الخلافات بين واشنطن وتل أبيب حول قضية المستوطنات الصهيونية. وعلى ضوء ذلك، هل سيبلع العرب وهم فى القرن الواحد والعشرين، السم الذى يدسه الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" لهم فى العسل، كما اعتادوا ان يبتلعوه من قبل ؟
نقلا عن مفكرة الاسلام.