الحساب المفتوح، هكذا أطلق شباب الإسلام هذا الاسم على المعركة التي أشعل فتيلها اليهود الصهاينة يوم أن قرروا اقتحام قطاع غزة، ظانيين أن الأمر نزهة سيذهبون فيها ليؤدبوا أهل غزة - حسب زعمهم - ثم يعودون آمنين مطمئنين، وما علموا أنهم سيواجهون بشباب يعشقون الشهادة كما يحبون هم الحياة..
ولقد دامت المعركة أياماً خمسة، ضرب فيها شباب الإسلام أروعَ الأمثلة في الجهاد والمقاومة والفداء، حتى إننا لنقول اليوم: لقد أعاد أبناءُ المساجد وعمارُ بيوت الله أمجادَ الصحابة وذكرياتِ التابعين، وأظنُّ أنهم المعنيون بقول الله تعالى: [ وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ ].
وأحب أن أطمئن أبناءَ الأمة الذين يدعون الله تعالى أن يبعث لهذه الأمة من يعيد لها مجدها وعزتها وكرامتها، فأقول الحمد لله تعالى لقد أخرج الله من بلادنا فلسطين شباباً كراماً، تربوا على موائد القرآن الكريم والسنة النبوية، أحبوا لقاء الله فأحب الله لقائهم، ونذروا أنفسهم لله تعالى لا يريدون حياة الذل والعار، يقول أحدهم:
أنا لا أريد الشمس في كفي ولا بدر الدجى بيدي وطوع بناني
أنا مبدأي أن الهوان لغيـرنا والـعزُّ لي ولأمتي وبلادي
على مثل هذه المعاني يتربى أبناء الإسلام في بلادنا فلسطين، يحيون وهم يعتقدون قول الله تعالى في كتابه: [ وَللهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ].
ولقد مَنَّ الله عليَّ وقابلت بعض المجاهدين بعد هذه المعركة التي سماها المجاهدون أنفسهم الحساب المفتوح، والله يعلم أنني لما سمعت منهم فاحت نسائم العزة والكرامة، وهبت نفحات الجهاد والقتال في سبيل الله تعالى، وأيقنت أن القلة مع الإيمان تغلب الكثرة مع الكفر ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى: [ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ].
كان من أول ما قال لي الأخ الكريم مقسماً بالله تعالى أن اليهود أجبن بكثير مما كنا نتوقع، مع أن عددهم كان كبيراً جداً، فالأوراق الرسمية أعلنت أن عددهم بلغ 2000 جندي من أفضل جنودهم، والغريب في الأمر أن عدد المجاهدين الذين تصدوا لهم في هذا الاجتياح لم يكن قد تجاوز 300 مجاهد، ولكن أين عباد الرحمن من عباد الشيطان [ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُو إِلَى الجَنَّةِ وَالمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ].
لقد شاء الله تعالى أن يقابل اليهود اليوم شباب الإسلام أتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم والواحد فيهم ربما كان بألف رجل، منهم أبو طلحة رضي الله عنه، ففقي صحيح الجامع الصغير عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَوْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " لَصَوْتُ أَبِي طَلْحَةَ فِي الْجَيْشِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ رَجُلٍ ".
ولقد كان الجندي الإسرائيلي فيما مضى يقول لزوجته: أنا ذاهب لأؤدب العرب ثم أعود إليك فانتظريني !، وأما اليوم بفضل الله تعالى فليس أمامه إلا الموت قتلاً أو الأسر كجلعاد شاليط أو العودة بمرض نفسي أو عاهة دائمة، ولقد رأينا بعضهم يشكر الله ! على أن عاد سالماً من أرض غزة، بعد أن فرّ من أيدي شباب القسام حفظهم الله تعالى.
ومعركة الحساب المفتوح هي أول معركة فيها مواجهة بين المجاهدين وبين قوات الاحتلال مباشرة، وقد كانت المعارك السابقة في الغالب ليس فيها مواجهات، وأما اليوم فقد يسر الله تعالى للشباب أن يروا أعداءهم في أعينهم قليلاً: [ إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ]، ولقد حدثنا أن الشباب لم يكن بينهم وبين العدو إلا أمتاراً، فقتلوا وأصابوا وكادوا أن يأسروا..
حتى إن الأوامر من قيادة المجاهدين كانت واضحة بعدم التعجل لعل الله تعالى أن ينعم علينا بأسر بعض هؤلاء ليرافقوا الأسير جلعاد شاليط، لنقيم لهم سجناً يناسب ظلمهم وفجورهم، ولنرتب لهم مع الصليب الأحمر زيارات لأسرهم لاحقاً !.
وحدثني أن اليهود دخلوا متسللين بيتاً بعيداً عن مرمى نيران المجاهدين، ويسر الله تعالى أن ينكشفوا للمجاهدين، وأغلب الظن أنهم كانوا فارين من المعركة، ولكن عيون المجاهدين كانت لهم بالمرصاد، ولم يكن المجاهدون يمتلكون سلاحاً يصل إلى مكان تواجد العدو، فتشاوروا ثم صدر القرار من قيادة المجاهدين أن اضربوا وتوكلوا على الله،،،
وبالفعل ضرب الشباب البيت الذي تحصن به اليهود فخرجوا منه فارين كالمهاويس، يسمع لهم عويل وصراخ كالبله المجانين، والشباب المجاهدون يقذفونهم بسلاح الهاون الذي يتساقط عليهم كالجمر من سجيل [ وَأَتَاهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ].
معركة الحساب المفتوح كانت هي الموعد بين المجاهدين والجنة، فما أن سمعوا صيحة الحرب حتى هبُّوا إلى الموت يستجدون رؤياه، وكان من هؤلاء الأبطال المجاهد الكريم أبو أنس عبد الحميد حمادة، المجاهد الذي تعلق قلبه بالآخرة قبل أن يصل إليها، أصر عليه أهله بالزواج ولكنه كان على موعد مع الحور العين، وقد أسر إلى بعض أحبابه أنه على موعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا طعم للحياة إذاً..
هذا المجاهد الشهيد حدثني عنه أحد المجاهدين قال: نصب كميناً لليهود ليلة الحساب المفتوح مستخدماً سلاح bkc، ولكنه أُعطب معه ثم استخدم سلاحاً آخر فقتل به ثم انطلق إليهم وكان كثيراً ما يردد أنه يتمنى رصاصة في عنقه يلقى بها الله تعالى، وبالفعل ركض إلى الله تعالى كالأسد لا يهاب الموت حتى نال ما تمنى !
وفي السنن الكبرى للبيهقي أن أعرابياً لما جاءه قسمه من الغنائم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اتَّبَعْتُكَ عَلَى أَنْ أُرْمَى هَا هُنَا وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ بِسَهْمٍ فَأَمُوتَ فَأَدْخَلَ الْجَنَّةَ. فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: « إِنْ تَصْدُقِ اللَّهُ يَصْدُقْكَ ». ثُمَّ نَهَضُوا إِلَى قِتَالِ الْعَدُوِّ فَأُتِىَ بِهِ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم يُحْمَلُ وَقَدْ أَصَابَهُ سَهْمٌ حَيْثُ أَشَارَ. فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم:« هُوَ هُوَ ». قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: « صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقَهُ..
وفي معركة الحساب المفتوح أعاد أهلنا في قطاع غزة ذكريات الأنصار الذين آووا ونصروا، والذين تقاسموا مع المجاهدين من المهاجرين بيوتهم وأموالهم، فنزل القرآن مادحاً إياهم [ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ].
نعم لقد أعادوا ذكريات وأمجاد الصحابة رضي الله عنهم، فقد حدثنا المجاهدون أنَّ الأهالي فتحوا بيوتهم وقلوبهم للمجاهدين، وطالبوهم بإدخال مضادات الطائرات المتواضعة في قلب بيوتهم بصدر منشرح وقلب راضٍ، يقاسمونهم اللقمة والنومة، يرجون من وراء ذلك أن تبقى شوكة الجهاد قوية، وعصية على الانكسار وهي كذلك بإذن الله تعالى.
وفي معركة الحساب المفتوح ضرب المصابون من المجاهدين أمثلة رائعة في التضحية والفداء، فقد حدثني أحد الأطباء عن الكثير من المصابين أنهم كانوا يرجونهم بالإسراع بعلاجهم لا ليعودوا لأهلهم وذويهم، وإنما من أجل أن يعودوا إلى مواطن الجهاد والمقاومة لعلَّ الله تعالى أن يكرمهم بالشهادة في سبيل الله تعالى..
وما ذاك إلا لأن المجاهدين لا يستسلمون للواقع المر ولا يعترفون بأفول النصر، بل هم على الدوام يصنعون من الألم أملاَ ومن الجرح فرحاً، فالإصابة لا تقعدهم والألم لا يعجزهم لأنهم أتباع من يحسن حمل الراية حتى النَّفّس الأخير، وهذا ضرار بن الأزور أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقاتل يوم اليمامة قتالاً شديداً حتى قطعت ساقاه جميعاً، فجعل يحبو على ركبتيه ويقاتل وتطؤه الخيل حتى غلبه الموت، فرحمه الله تعالى رحمة واسعة.
وفي معركة الحساب المفتوح كان الشباب يعملون في الموت، بين إطلاق النار وضرب الصواريخ التي لا ترحم، وهم لا يعملون في المكيفات ولا في الأمن والأمان، وإنما يعملون وهم يقتحمون الموت معتقدين أن مواطن الجهاد لا يقصر العمر وأن الجلوس في البيوت لا يزيد في الأجل، لأن الأَمْرَ للهِ [ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ].
وفي الختام: نسأل الله تعالى أن ينصر الإسلام والمسلمين،،، وإلى لقاءٍ آخر مع حساب مفتوح لا يغلق إلا بتحرير بيت المقدس من دنس اليهود الغاصبين،،،
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد والحمد لله رب العالمين..