| هناك قاعدة في السياسة مؤداها: لكي تنتصر على عدوك أو على الأقل تتفوق عليه يجب أن تعرفه حق المعرفة، ماديا ومعنويا معا، ولقد كان المسلمون في سابق العهد، وابتداء من عهد الرسالة، وعلى مسار عصور الإسلام الذهبية، يدركون هذه القاعدة، ويعملون بها، ويعتبرونها أحد عوامل النصر على العدو، ولكن الخلف سامحهم الله أهملوا هذه القاعدة، واستخفوا بها وضربوا بها عرض الحائط.
وهذا راجع في الحالين إلى أن السبب هو أن فقه الإسلام كان ماثلا في أذهان السلف، وفي كل حركة من حركاتهم، وكان معدوما لدى الخلف أو على الأقل مطروحا جانبا، وحسبنا أن نقرأ كتاب الله قراءة وعي وتدبر، لتأكد لدينا اهتمامه بتلك القاعدة السياسية التي سبقت الإشارة إليها اعرف عدوك والإسلام إنما يهتم أول ما يهتم بصنفين من الأعداء: مجاهر ومستتر.
صنف مجاهر: يتمثل في معارض الدعوة بالفكر أو بالسلاح، ومثل هذا الصنف لا يشكل خطورة، ولا يكلف جهدا ذهينا في التصدي له.
وصنف مستتر: يتزلف إلى الإسلام بلسانه ويكيد له بعقله وسلوكه في الخفء ومثل هذا الصنف هو الذي يشكل خطورة على الدعوة، ويكلف جهدا ذهنيا في التصدي له.
ويطلق القرآن على الصنف الأول لفظ الكفار ويطلق على الصنف الآخر لفظ المنافقون وفي أوائل سورة البقرة بينما يعرض كتاب الله للصنف الأول في آيتين اثنتين: 6، 7 [ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ] (البقرة: 6-7).
نراه يعرض للصنف الثاني في ثلاث عشرة آية: 8 - 20 [ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ] (البقرة: 8) إلى آخر الآيات.
وبينما يفرد القرآن سورة للكافرين من ست آيات سورة الكافرون يفرد للمنافقين سورة من إحدى عشرة آية، سورة المنافقون.
وهناك ملاحظتان:
الأولى: أن الوصف الذي أطلق على الكفار في الآيتين السابقتين وفيه:
[ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ ] ( البقرة: 6 ) لا يعني التوقف عن دعوة الكافرين إلى الإسلام، فالوصف من ناحية إنما ينطبق على الكفار المعاصرين للرسالة والله أعلم بهم ومن ناحية أخرى أن انطباق الوصف عليهم راجع إلى إصرارهم على الكفر.
الثانية: أن الوصف للصنف الأول الكافرون إنما انصب على عقولهم المتحجرة، بينما الوصف للصنف الثاني المنافقون إنما انصب على نفسياتهم ومعنوياتهم، فالصنف الأول مريض بعقله، والصنف الثاني مريض بقلبه.
إن عشرات الآيات عرضت لأعداء الإسلام في وصف دقيق، لكي نتعلم كيف نواجههم ونتصدى لهم، وبالنسبة للصنف الأول الكافرون حين عرض القرآن لهم، نراه تارة يعمم وتارة يخصص، كما هو واضح من اهتمامه بأهل الكتاب: اليهود والنصارى، بل والتخصيص ليس على درجة واحدة، لأن القسط الأدنى من التنديد كان من نصيب اليهود، وإن كانت القاعدة العامة تشمهلهم.
[ وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ] (البقرة: 120).
النصر والهزيمة:
إن أي مسلم يدرك لماذا كان النصر حليف المسلمين في الماضي، ولماذا أصبحت الهزيمة حليف المسلمين في الحاضر ؟ والتاريخ أصدق شاهد في الحالين، كان جيش المسلمين في عشرات الألوف ينتصر على جيوش الفرس أو الرومان في مئات الألوف، واليوم إسرائيل التي لم يبلغ عددها سوى زهاء أربعة ملايين، تلحق الهزيمة عسكريا بمائة وعشرين مليونا عربيا من العرب، وأدبيا ومعنويا بزهاء ثمانمائة مليون من المسلمين.
ولا شك أن السلف أخذوا بأسباب النصر فانتصروا، وأن الخلف أخذوا بأسباب الهزيمة فانهزموا، السلف وثقوا صلاتهم بالله وبالإسلام، وعرفوا أعداءهم معرفة دقيقة، والخلف وثقوا صلاتهم إما بالشرق وإما بالغرب واستغنوا عن الله فاستغنى الله عنهم، وجهلوا أعداءهم، فاستباح أعداؤهم بيضتهم وامتهنوا حراماتهم وتطاولوا على مقدساتهم.
إذا فهناك عاملان رئيسيان يوفران النصر إجابيا ويصنعان الهزيمة سلبا، هما الإيمان ومعرفة العدو.
وعنصر الإيمان هو الأساس، ويقتضي الثقة في الله ثقة مطلقة، والارتباط بالاسلام ارتباطا وثيقا وكلا لا يتجزأ، عقيدة وعبادة وسلوكا، وأن يكون الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، وهذه الجزئية الأخيرة لها أهميتها في سياستنا المعاصرة، لأنها نتيجة حتمية لضعف إيماننا وتفريطنا في جنب الله، وإعراضنا عن توجيهات الإسلام، ولا يمكن أن نتوقع نصرا ما دمنا نيمم وجوهنا شطر الشرق أو الغرب أو غير ذلك ولا نيممها شطر المسجد الحرام، بيت الله سبحانه، ومركز الإشعاع للإسلام.
هذا كتاب الله ينطق علينا بالحق، ما أكثر دروسه لنا لنفيد منها، وما أكثر ما أعرضنا، وما نزال نعرض عنها، كتاب الله يقول لنا: [ وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ] ( المنافقون: 8 ) وقد ابتغينا العزة من عند غير الله فأذلنا الله، وهذه نتيجة حتمية يدركها من يفقه كتاب الله، وبقية الآية [ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ ] ( المنافقون: 7 ) وكأن كتاب الله يريد دفع المخالفين بصفة النفاق.
و في سورة النساء 138، 139: [ بَشِّرِ المُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ] ( النساء: 138-139 ) أليس في هذا تأكيد للمعنى السابق.
إن الإسلام دون شك حريص على أن تكون لدولة المسلمين ذاتية مستقلة تتنافى بالطبع مع هذه التبعية التي تعيشها اليوم دولة المسلمين، وإذا كان كتاب الله يقول [ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ] ( آل عمران: 110 ) فكيف يتفق هذا الشرف مع سلوك الأمة المسلمة اليوم، وهي تدين بالولاء الأعمى، والتبعية المهينة للشرق الإلحادي أو للغرب الصليبي، وبعد أن كانت الدنيا مشرقها ومغربها تدين لها بالولاء، ويخطب العالم بأسره ودها ؟
الإسلام يرفض الولاء للكافرين بشكل عام ولليهود والنصارى بشكل خاص، لأنهم أهل الكتاب، وكان أولى بهم أن يعيشوا مع المسلمين على الأقل، ولكنهم غووا بل وتمادوا في غيهم وإذا كنا قد نسينا موقف اليهود من الدعوة في يثرب أو الحروب الصليبية التي دامت ثلاثة قرون أو تزيد، فلا يليق بنا أن ننسى هذا الحاضر ونحن نعيش فيه، ننسى المجازر البشرية التي يتعرض لها المسلمون باسم الصليب في الفلبين وأريتريا وغيرهما.
وننسى إسرائيل وهي تذل العرب والمسلمين، وتبالغ في إذلالهم، ولنتدبر هذه الآيات من سورة المائدة ابتداء من الآية: 51 [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ ] ( المائدة: 51-52 ).
ثم تأتي الآيات بعد ذلك [ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغَالِبُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ] (المائدة: 55-57).
هذا قليل من كثير في كتاب الله، يدعو إلى أن يكون للأمة المسلمة شخصيتها المستقلة، تعتمد على الله وتثق فيه سبحانه، ولا يكون ولاؤها إلا لله ولرسوله وللمؤمنين، ولكن هذه الأمة تمردت على الله وعلى دينها اليوم، وما هي فيه ليس إلا جزاء وفاقا من الله عز وجل، ولا أدنى أمل في النصر لهذه الأمة إلا برجوعها إلى الله من جديد [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ] (محمد: 7).
والحديث عن العنصر الثاني معرفة الأعداء ضروري فقد تفوق علينا العدو مع ضآلته بالنسبة لنا، لأنه يعرف عنا كل شيء ونحن لا نعرف عنه أي شيء، ولعلنا لم ننس بعد ما حدث في الخامس من يونيو 1967م فقد استطاعت إسرائيل أن تدمر كل شيء حتى المطارات السرية.
إن إسرائيل منذ انعقاد أول مؤتمر للصهيونية في مدينة بال بسويسرا سنة 1897م وهي تعمل على جمع المعلومات من بين سائر أرجاء المنطقة، لتستعد للمعركة الفاصلة برغم أنها قد قدرت أن هذه المعركة لن تكون إلا في غضون خمسين عاما قادمة، بينما كان العالم الإسلامي في سبات عميق، وبينما كان العرب يستعرضون عضلاتهم بالشعارات، وبينما كان اليهود يستثمرون وعد بلفور الذي صدر في الثاني من نوفمبر عام 1917م لمصلحتهم، كان العرب يكتفون بالاحتفال كل عام بهذا الوعد مجرد تهديد ووعيد ولا شيء بعد ذلك. |