| تؤكد
تصريحات المشتركين في العملية السياسية على أن حكومة المالكي طائفية، بل شيعية. لقد
اعلن عن ذلك الشيخ محمد فلك وكيل المرجعية الشيعية في البصرة، وذلك في خطبة الجمعة
في 14/8/2009، بالقول 'على حد علمنا دخلت مليارات الدولارات الى العراق من أجل
اخراج الشيعة من الحكم وهناك تحديات تواجه الحكومة.' وايده في ذلك النائب حيدر
العبادي ،عضو حزب الدعوة، (راجع 'القدس العربي' في 19/8/ 2009) بالقول: 'هناك قوى
اقليمية تدفع ملايين الدولارات لتهميش العملية السياسية في العراق وتحاول افشال
التجربة الديمقراطية.).
بينما اكد
سامي العسكري على 'أن تقارير المخابرات تشير الى أن السعودية تحاول تقويض الامن عن
طريق تحريض المتمردين ودعمهم.' والمعروف أن هؤلاء ينتمون الى قائمة الائتلاف الحاكم
وان دفاعهم عن العملية السياسية هو في الحقيقة دفاع عن الحكم الطائفي الفاشل.
والمعروف ايضاً ان تقسيم العراق على اسس طائفية وعنصرية قد تم من قبل المستعمرين
الامريكان، قبل الاحتلال بعشر سنوات، واعلن عن ذلك مارتين انديك، المساعد الخاص
للرئيس كلينتون، في تقريره لمجلس الشيوخ والمنشور في جريدة 'الحياة' في 5/6/1993،
بالقول: 'اننا نقدم دعماً للمؤتمر الوطني العراقي باعتباره بديلاً ديمقراطياً عن
نظام صدام حسين. لقد نجح المؤتمر في توسيع قاعدته لتضم ممثلين عن الجماعات الرئيسية
الثلاث في العراق: الشيعية والسنية والكردية.'
علماً بان
الاحزاب التي تعاونت مع المحتلين كانت كلها احزاباً انعزالية يدافع كل حزب عن طائفة
او قومية معينة دون غيرها. وبعد حرب استمرت لست سنوات وراح ضحيتها اكثر من مليون من
ابناء الشعب الواحد اظهرت حكومة الاحتلال على فشلها الذريع في الدفاع عن حياة
المواطنين وقد برهنت على ذلك الانفجارات الفظيعة ليوم الاربعاء، 19/8/2009، والتي
راح ضحيتها اكثر من مئة قتيل، وهذا اضافة الى اكثر من 15 انفجاراً كبيراً راح
ضحيتها اكثر من 600 قتيل اخرين خلال السنة الحالية وحدها.
فان كان
هناك اثر طفيف للديمقراطية في المنطقة الخضراء لذهب المالكي الى البرلمان وقدم
استقالته اعترافاً بالفشل وترك الامر للاعضاء ليختاروا غيره. ويذهب الدكتور صاحب
الحكيم الى ابعد من ذلك، على شبكة 'اخبار الناصرية' بتأريخ 21/8/2009 في رسالته
الموجهة الى رئيس الوزراء والوزراء وكافة اعضاء البرلمان يرجو منهم الاستقالة
'حفظاً للماء القليل الباقي في وجوهكم.. فالمسؤولية تلاحقكم كما تلاحق المجرمين
الارهابيين'.
لم يقتصر
فشل الحكومة على القضاء على الانفجارات بل شمل كافة المجالات الحيوية كإعادة الماء
والكهرباء والقضاء على البطالة وايقاف انتشار الفساد والسرقات، بما في ذلك قيام
حراس عادل عبد المهدي، نائب رئيس الجمهورية، بسرقة مصرف الزوية. بل ان الحكومة فشلت
في القضاء على الخلاف القومي في كركوك او في فرض سيادتها على كافة المنطقة الكردية
الخاضعة لسيطرة البيشمركة الكردية ولا يستطيع المالكي تعيين او نقل موظف بسيط
فيها.
والأتعس هو
ان حكومة المالكي فشلت في حل القضايا الهامة المتعلقة بصميم السيادة الوطنية مثل
تأسيس الدولة العراقية الموحدة التي لا تملك لحد الان جيشاً محترفاً موحداً، بعيداً
عن المحاصصة، مهمته الدفاع عن العدوان الخارجي، بما في ذلك طرد المحتلين الامريكان
من البلاد.
وفي قضية
الدستور اشترك البعض في العملية السياسية على شرط ان تقوم الحكومة باعادة صياغة
الدستور الطائفي ولكن الحكومة فشلت في هذه المهمة ايضاً. ثم قرر البرلمان اجراء
استفتاء بين الشعب قبل ان تأخذ الاتفاقية الامنية مع الاحتلال صفتها الشرعية وذلك
في الشهر السابع من هذه السنة. الا ان الحكومة لم تستطع عرض الموضوع على الشعب ، بل
انها تعمل على خداعه بالادعاء بأن الاتفاقية تنص على اخراج كل الجيش الامريكي من
البلاد. وقد قام روبرت غيتس، وزير الدفاع الامريكي، بتكذيب هذا الادعاء امام مجلس
الشيوخ حين اكد على ضرورة بقاء الجيش الامريكي في العراق وافغانستان لعشر سنوات
اخرى على الاقل.
والواضح ان
الاتفاقية تنص على جلاء فقط القوات المحاربة (Combat forces) دون غيرها وابقاء حوالى
اربعين الف جندي بحجة تدريب الجيش العراقي. ثم أن الحكومة الامريكية، بقيادة اوباما
او غيره، والمصابة بازمة اقتصادية عميقة، لا تستطيع اخلاء قواعدها الضخمة في العراق
بعد ان انفقت على انشائها اكثر من 600 ملياردولار والتي يشير اليها البروفسور جوزيف
سلغليت، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد والمستشار للرئيس كلينتون، في كتابه '
The Three Trillion Dollar
War ' في الصفحة 168 بالقول: ان اللجنة المالية التابعة للكونغرس دونت
في تقريرها في 13/3/2006 بأن الاموال التي طلبتها الحكومة لبناء هذه القواعد ' كانت
عالية و تصرف عادة على بناء القواعد الدائمية'.
ويشرح
البروفسور: ان العديد من هذه القواعد منشآت ضخمة تظهر وكأنها صممت لاشغالها من قبل
الولايات المتحدة لأمد طويل....فقاعدة الاسد تحوي منشآت لايواء 17000 جندي. ثم هناك
قاعدة بابل للنقليات والتجهيزات الجوية وتستوعب 22500 عسكري وعدة الاف مقاول...
هناك في قاعدة التاجي اكبر سوق عصري في كل العراق، بينما تستخدم قاعدة التليل كمحطة
للجيوش القادمة من الكويت... يبلغ طول قاعدة بابل 7 كيلومترات وعرضها 5 كيلومترات
وهي بحاجة لخطين متتاليتين من الباصات، لكن قاعدتي الاسد والتليل اكبر من قاعدة
بابل حيث تبلغ مساحة كل منهما 50 كيلومتراً مربعاً..
وفي وسط هذه
القواعد هناك مطارات عسكرية ضخمة ومعقدة تحوي على مدرجات طولها بين 3 الى 3.5 كم
لاقلاع وهبوط الطائرات العسكرية، بما في ذلك المقاتلات والمروحيات وطائرات حمل
الاسلحة الثقيلة... تحوي هذه القواعد على ملاجئ محصنة و محطات لتوليد الكهرباء
والانظمة التلفونية ووسائل التبريد والتدفئة والمستشفيات ومحاطة بحواجز محصنة متينة
... فيها محلات لايجار السيارات وسينمات ومسارح والاتصالات التلفونية العالمية...
وكلها مبنية بالخرسانة المسلحة وفيها محلات سكنية عسكرية فسيحة وشبكات واسعة من
الطرق الداخلية ... وهذا كله يؤكد على أن امريكا جاءت لتبقى بغض النظر عن
الاتفاقية.
ماذا عن
المستقبل؟
هناك احتمال
كبير ان يتدخل بعض المتمكنين في الدول المجاورة لمساعدة الطائفيين السنة في مقاومة
الحكم الشيعي بغية تبديله الى حكم سني فتستمر المعارك الطاحنة الى ان يهلك الشعب
بسنته وشيعته ومسيحييه وصابئته فتستطيع امريكا أن تثبت اقدامها في العراق ومن ثم
الاستمرار في احتلال البلدان المجاورة الاخرى مستفيدة من قواعدها في العراق. ثم
هناك احتمال اصطدام الاحزاب الحاكمة فيما بينها. فالخلاف بين الحزبين الكرديين
وحكومة المالكي وصل حد القطيعة، اضطرت فيه حكومة اوباما ان تتدخل بصورة مباشرة لمنع
نشوب الاصطدام المسلح.
وهناك
ايضاً احتمال القتال بين حزب الدعوة للمالكي والمجلس الاعلى لعبد العزيز الحكيم،
بمناسبة احداث الانفجارات الضخمة كالتي حدثت في 19/8/2009، او نتيجة السطو على
المصارف. فالمعروف أن المجلس الاعلى فقد شعبيته ويحاول الان البرهان على عدم
امكانية المالكي البقاء في منصبه دون مساندة فيلق البدر، ذو الامكانيات الواسعة في
صفوف الجيش والشرطة.
هناك
الضرورة للتشديد على ان الانتخابات القادمة، في مطلع السنة الجديدة، سوف لا تجلب
السلام الى العراق، ذلك لأن الاحزاب والاطراف المشتركة فيها ستكون نفس الاطراف
وبقيادة نفس الاشخاص الموجودين في الساحة في الوقت الحاضر. والمعروف ان الاغلبية
الساحقة من الشعب العراقي قد سئمت من بدعة الانتخابات التي لا تحل شيئاً وستجري تحت
ظل الاحتلال وفي ظروف شاذة، يتم فيها فرض منع التجول وغلق الحدود ومنع استخدام
السيارات وغيرها من القيود التي تؤكد على عدم ثقة الحكومة
بالشعب.
من الضروري
اذن ان يتم البحث عن طرق ناجعة اخرى، خارج العملية السياسية الفاشلة، تلك التي
تستطيع احراز النصر على المستعمرين وتقضي على حكومة الاحتلال وتنهي الخلاف الديني
والطائفي والعنصري وتنجح في تأسيس حكومة علمانية، تفصل الدين عن السياسة، وتوحد
الشعب بكافة اديانه وقومياته. وتضمن الحرية الفكرية، بما في ذلك الحرية الدينية
للكل.
ان الحقائق
المدونة اعلاه تؤكد، قبل كل شيء، على ضرورة فضح العملية السياسية جملة وتفصيلاً
وادانة بل مقاطعة وعزل ونبذ الاحزاب الطائفية والعنصرية المشتركة فيها لكونها
مسؤولة عن تفريق الشعب بل قتله وتشريد الملايين منه. وليست هذه مهمة صعبة لأن الشعب
المنكوب ادرك مغبة السير وراء هذه الاحزاب وتعلم بأن الغرض الرئيسي لها هو الابقاء
على المحاصصة الطائفية التي اعطت لكل حزب حرية السرقة والفساد في الوزارة المخصصة
له دون لوم اوتدخل الاحزاب الاخرى.
والمعروف ان
حزب الدعوة منشق ومشتت ولقد اشرنا اعلاه الى انهيار المجلس الاعلى. ومن الجهة
الاخرى قضت الانتخابات الاخيرة في المنطقة الكردية على نفوذ حزب جلال الطالباني
وتمكن شخص متواضع مثل الدكتور كمال ميراودلي، في محاولة اولى من نوعها، ان يقف في
وجه مسعود البارزاني وينال 25' من اصوات الشعب الكردي دون ان يملك المال للصرف على
حملته الانتخابية. وبالرغم من تزييف الانتخابات بصورة واسعة فقد الحزبان الكرديان
41' من مقاعد برلمان اربيل ونالت سرقاتهما وفسادهما الاداري سخط الشعب الكردي
المنكوب بهما لعقود. فانهاء دور الاحزاب المتعاونة مع العدو المحتل عملية
ممكنة.
هناك الآن
مقاومة ملموسة لحكومة الاحتلال الا انها مشتتة وجزء منها متأثرة بالطائفية او تحمل
افكاراً قومية. هناك الضرورة القصوى لا لتوحيد هذه المقاومة بل ايضاً لتثقيف
قواعدها وحثها على ترك الانحياز لطائفة او قومية منفردة. على المقاومة الوطنية ان
تدرك طبيعة العراق الذي يعيش فيه لا العرب وحدهم بل هناك ايضاً الاكراد والتركمان
والكلدو آشوريون والشبك، وماعدا السنة والشيعة هناك المسيحيون واليزيديون والصابئة.
ان تحقيق حقوق هؤلاء الاقليات وانقاذهم من مخاوفهم القومية والدينية لا يتم عن طريق
سرد بضعة كلمات مسكّنة،غير مقنعة.
على
المقاومة ان تتخلص من تقوقعها الطائفي او القومي وتدرك النسيج العراقي وتصرف جهداً
كبيراً لتوحيد كافة العراقيين في صف مجاهد واحد ضد العدو الذي احتل العراق لتخريبه
عن طريق الاستفادة من تنوع شعبه، كما ورد على لسان مارتين انديك والمدون
اعلاه.
يرشدنا
الدكتور محمد الحسناوي، من النجف، الى ان 80' من الشعب، لا علاقة لهم بالاحزاب
المسيطرة على البرلمان. ولكون هؤلاء اكثر المتضررين من الاحتلال، فلا شك انهم
سينتفضون، مثلما انتفض اباؤهم واجدادهم سنة 1920 ثم في 1941 و1958.
انهم
يستطيعون القيام بالاعتصام السلمي عن طريق السيطرة على الشوارع والساحات والدوائر
بغية شل فعاليات الحكومة واجبارها على الاستقالة وترك الميدان. فلو نجحت المقاومة
في توحيد صفوفها وكسبت اغلبية الجماهير الى جانبها واذا قام شعبنا الشجاع بدوره
ورفض الرضوخ لجبروت الاحتلال واذنابه الطائفيين لتخلص العراق من محنته. واذا الشعب
يوماً اراد الحياة فلابد ان يستجيب القدر. |