| وفي أكثر من مناسبة جرت البرهنة علي أن هناك ثروات طائلة يختزنها مجتمعنا وتبحث عمن يحولها من حالة كامنة إلي وضع مؤثر في الحياة الاقتصادية للبلاد, ويحول رأس المال الميت الموجود في البلاد إلي رأس مال حي ينعش الأسواق ويخلق فرص العمل والحياة لملايين المواطنين.
ولكن كان للمسألة دائما وجه آخر, وهو أن المجتمعات الفقيرة تهدر ثرواتها بأشكال شتي, فهي تبتعد عنها كما نبتعد عن أماكن توافرها علي أراضينا الشاسعة, ونقيد التنمية في هذه الأراضي بقوانين بالية, بل ونقيد الثروة عندما توجد بلوائح وقواعد تخرجها نهائيا من السوق الاقتصادية كما جري للثروة العقارية المصرية لسنوات طويلة, حيث باتت الوحدة السكنية مكانا للسكن وليس مصدرا للثروة يجري عليه التداول والاقتراض والميراث والتنمية والتبادل.
وأخيرا يتم إهدار الثروة عندما يجري التصرف فيها بإسفاف أو في غير مكانها كما يجري حاليا في شهر رمضان المعظم. فقد حدث تحول في الاحتفال بشهر رمضان, ليأخذ شكل العادة أكثر من كونه يحظي بممارسات العبادة, وهو ما يمكن إبرازه في عدد من المؤشرات علي النحو التالي:
أولاً :- ازدياد حجم الاستهلاك بالنسبة للسلع الغذائية فنجد أن معدلات الاستهلاك في شهر رمضان تفوق معدلاتها في أي شهر آخر من شهور السنة, الأمر الذي يجهد الأجهزة والمؤسسات المعنية بالتموين والتجارة الداخلية لتوفير هذه السلع في الأسواق. ووفقا لدراسة حديثة صادرة عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية فإن ما يقرب من83% من الأسر المصرية تغير عاداتها الغذائية, بحيث أن معدل إنفاق الأسر خلال الشهر الفضيل يزيد بنسبة تتراوح بين50% و100%.
بينما يبلغ الإنفاق الإجمالي للمصريين علي مدار العام ما يتجاوز200 مليار جنيه, فإن ما يتم إنفاقه في رمضان يقدر بحوالي30 مليار جنيه, بمعدل مليار جنيه يوميا, وهو ما يرجع بدرجة أساسية إلي تزايد في استهلاك الأطعمة والغذاء في شهر الصيام.
وتشير المعلومات الواردة في هذه الدراسة إلي أن نسبة استهلاك المصريين من اللحوم والطيور تزيد بنحو66.5% بينما يتزايد استهلاكهم للحلويات بنسبة63% والمكسرات بنسبة25%, في حين ترتفع إقامة الولائم بنحو23%. وتوضح الدراسة أن الفاقد من الغذاء علي الموائد المصرية يبلغ60% علي الأقل ويتجاوز الـ75% في حالة الولائم, أي يكون مصيره' سلة القمامة'.
وهناك بعض الإحصاءات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تشير إلي أنه في الأسبوع الأول من رمضان فإن المصريين يأكلون خلاله2.3 مليار رغيف من الخبز, و10 آلاف طن من الفول, و40 مليون دجاجة, وترتفع معدلات الاستهلاك للسمن والزبادي بنسبة200%.
بينما يبلغ إجمالي إنفاق المصريين علي شراء المواد الغذائية والياميش9 مليارات جنيه, كما حدثت زيادة قدرها20% في حصص البوتاجاز في جميع المحافظات المصرية الـ28, ويمتد ذلك إلي استهلاك المياه والتعامل مع الكهرباء, من جراء ما يسمي بزينة رمضان, حيث أن رمضان يؤدي إلي زيادة ساعات الذروة في استهلاك الكهرباء لتتراوح بين4 إلي5 ساعات في مقابل ما بين ساعتين إلي ثلاث ساعات في غير رمضان. وتزيد حدة هذه المشكلة بسبب التوصيل العشوائي للكهرباء سواء في الشوارع الضيقة أو الميادين المتسعة.
كما أن هناك اتجاها في الدراسات الطبية يشير إلي أن الصحة العامة للمصريين تتعرض لمشكلات جمة بسبب تزايد معدلات الإقبال علي الطعام في رمضان, رغم أن هناك وجبتين فقط هما الإفطار والسحور, بحيث تتزايد الأمراض خاصة أمراض السكر والقلب والشرايين الناتجة عن السمنة وتناول الحلويات بشكل مفرط. وتذهب بعض التقديرات إلي أن شهر رمضان يشهد زيادة في استهلاك المصريين للدواء خاصة أدوية الجهاز الهضمي, نتيجة حدوث ارتباك في القولون والتهاب المعدة.
إن الأرقام الواردة في السطور السابقة تشير إلي حدوث تأثيرات سلبية علي ميزانية الأسرة واقتصاد الدولة, نتيجة الإنفاق الاستهلاكي المتزايد وزيادة استيراد بعض المواد الغذائية وتحديدا الياميش منها من تركيا وسوريا والهند, فضلا عن تبديد مدخرات المصريين والتأثير علي صحتهم. كما أن تزامن شهر رمضان مع بداية العام الدراسي يضع الأسر المصرية, خاصة محدودة الدخل, في مأزق قد يؤدي ذلك إلي زيادة المعاناة من الديون بعد انقضاء رمضان, وهو ما يرجع إلي الإنفاق غير الرشيد وعدم تحديد الأولويات.
ثانيا:- المؤشرات علي تبديد الثروة الذي يحدث في شهر رمضان بذلك التعرض المتزايد للإعلام المرئي والمسموع, فهناك كم هائل من المسلسلات الاجتماعية والبرامج الكوميدية والحوارات الفنية, فضلا عن الفقرات الخاصة بالمسابقات والمغامرات التي تعرض علي مدار رمضان. فالمشاهد المصري يواجه أكثر من40 مسلسلا تعرض علي شاشات القنوات الفضائية, سواء المصرية أو العربية.
ويتجاوز الكم المعروض من المسلسلات عدد ساعات الليل والنهار, الأمر الذي يجعل من شهر رمضان وقتا للتسلية والترفيه فقط, ناهيك عما يسببه السهر أمام شاشة التليفزيون حتي ساعة متأخرة من تأثير علي الحالة المزاجية والقدرة الإنتاجية للفرد في نهار رمضان.
ثالثا:- تآكل قيمة العمل وهدر الوقت, في المصالح الحكومية والدوائر البيروقراطية, لدرجة أن هناك شريحة من الموظفين ـ بغض النظر عن وزنها النسبي ـ تعتبر رمضان شهرا للكسل بدلا من العمل, فيزيد في رمضان التهرب من العمل أو التقصير فيه بدعوي الصيام, وهو ما تلخصه العبارات الشهيرة التي يكثر استخدامها في رمضان من نوع اللهم إني صائم أو ما تخسرنيش صيامي, والتي يجري استخدامها تبريرا للتقصير في العمل.
مع أن العامل أو المهندس أو الطبيب الذي يجيد عمله ويبذل فيه قصاري جهده هو بالتأكيد أفضل من زميل له يكتفي بالصلاة والصوم وقراءة القرآن دون العمل بهم, وهو ما حاول الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر لفت النظر إليه عندما أفتي بعدم جواز تعطيل مصالح المواطنين بحجة الصيام أو الصلاة أو قراءة القرآن.
رابعا:- ذلك التزايد الكبير في عدد موائد الرحمن في مصر, والتي يشارك في إقامتها أعضاء البرلمان ورجال الأعمال ونجوم الفن والرياضة وغيرهم, وهي الموائد التي لم تؤثر ظروف الأزمة الاقتصادية علي انتشارها, حتي بلغ الإنفاق عليها ما يقرب من3 مليارات جنيه وفقا لبعض التقديرات, وزاد عدد المواطنين الذين يحلون ضيوفا عليها علي الثلاثة ملايين مواطن, كل ذلك رغم أصوات المعارضة الاجتماعية والدينية التي ترتفع في مواجهتها.
ففي العام الماضي أطلق البعض دعوة لإلغاء موائد الرحمن وتوجيه العائد منها لمساعدة الفقراء والمحتاجين, بينما أفتي د.نصر فريد واصل المفتي الأسبق بأن إقامة موائد الرحمن لا شئ فيها من الناحية الشرعية ولكن الذي يؤخذ عليها هو الإسراف في إعدادها فأصبحنا نسمع عن موائد الرحمن خمس نجوم مع أنه يكفي لإفطار الصائم تمرة أو كوب من العصير وقليل من الطعام. فبقدر ما في موائد الرحمن من معاني التكافل الاجتماعي الضروري فإنه فيها أيضا نوعا من الإنفاق الترفي غير المفيد.
خامسا:- رحلات العمرة الرمضانية التي يقوم بها الكثيرون لأكثر من مرة وبشكل متواتر كل عام, حيث تشهد رحلات العمرة تزاحما خلال شهر رمضان, لدرجة أن هناك من يعتبرها نوعا من السياحة الدينية, بينما يري فيها البعض الآخر طريقا للربح السريع.
فإذا كان ثمة مأزق يواجه الشركات والهيئات المنظمة لهذه الرحلات حاليا بسبب خطورة مرض أنفلونزا الخنازير, فإن ذلك لا يمنع القاعدة العامة التي تجعل الشهر المبارك ليس وسيلة للتقرب إلي الله حيثما يوجد الإنسان وإنما السعي إلي ذلك من خلال تكرار مرات العمرة باعتبارها عادة سنوية لا ينبغي لها أن تتوقف.
لا شك أن فريضة الصيام قد فرضت لأسباب شتي, منها قدرة الإنسان علي ضبط النفس إزاء غرائز وشرور متنوعة, ودفعه إلي التعاطف والتسامح والتكاتف مع أخيه الإنسان, ولكن للصيام أيضا مقاصد اجتماعية عندما يدفع المجتمعات إلي ضبط استخدام الثروة فيما لا يفيد, ومنع إهدار القدرات. ولكن السؤال الذي لم يجب عليه أحد أبدا هو لماذا جري ما جري؟ فرغم ملاحظتنا لما يجري منذ سنوات طويلة, ورغم أن الحديث عن الإسراف في رمضان قد صار جزءا من الطقوس الرمضانية.
ورغم تزايد نفوذ الاتجاه المحافظ القائم علي التشدد وحتي الغلو في المجتمع, فإن الأمر لا يتغير, ولايبدو أن هناك استعدادا لدي المجتمع للترشيد أو التعقل. إنه موضوع محير ويحتاج إلي تفكير كثير فربما كان الأمر يعود إلي أننا لا نعرف قيمة الثروة في النهاية ؟!. |