الحزب الأوحد في العالم العربي

الحزب الأوحد في العالم العربي
218 زائر
24-09-2009
الشيخ المحامي الدكتور مسلم اليوسف

الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا يوافي نعمه ، و يدفع عنا نقمه، والصلاة والسلام على إمام المرسلين نبي الرحمة و الملحمة محمد بن عبد الله صلى الله عليه و آله سلم ، وبعد :

هذه دراسة واقعية حاولت من خلالها أن أعري حزب من أشد الأحزاب خطورة في عالمنا العربي ، حزب استغل كل شيء يقدر عليه أو يمكن استغلاله .
استغل العباد ، و الموارد و الأفكار بل حتى الأديان ، و كل ما يستطيع استغلاله للبقاء ، و الاستمرار .
و قد أطلقت عليه الحزب الأوحد ، لأنه لا يريد أن يشاركه أحد في أي شيء لا في السلطة و لا في السلطان .
الحزب الأوحد ، والمشاركة السياسية :
أعتقد أن من مهام الأحزاب بشكل عام التمثيل السياسي لمختلف أصناف الشعب لتنظيم مصالحهم ، والدفاع عنها .
و ربما تصاغ تلك المهام في شكل أكثر وضوحا و تحديدا لتشمل :اختيار العناصر القيادية للمناصب الحكومية و العامة ، ووضع المناهج و البرامج للحكومات للتحقيق المصالح الاجتماعية من خلال تلبية مطالب مختلف الأحزاب ، و التوفيق بينها .
وهذا من حيث الفلسفة أو النظرية ، أو بما يجب أن تكون عليه الأحزاب بشكل عام .
بيد أن الأمر يختلف جذريا في البلدان الضائعة ، والشعوب المستغلة في عالمنا العربي التي تزعم تلك الأحزاب أنها تريد التنمية و التحديث ، و هي في الحقيقة تسعى لتنمية نفسها ، وقياداتها على حساب الشعب ، و قوته و حريته و ثرواته المادية و المعنوية .
فالأحزاب المسيطرة على السلطة في عالمنا العربي تستغل كل شيء لحساب تنمية سلطها و سيطرتها، فهي تستخدم كافة المنجزات التكنولوجية المتاحة للسيطرة و القهر و الاستغلال في كل الدولة ، و مؤسساتها في المدارس ، و الجامعات ، و المصانع ، و المشروعات التجارية و السياحية ...... إلخ .
فأصبح المواطن المسكين يشعر بالغربة ، و الاغتراب و هو في بلده ، ووطنه الأمر الذي قد يخلق الحاجة الماسة إلى هوية جديدة ، و ولاءات جديدة أيضا تكسبه ما فقد .
مما قد يفتح الباب على مصراعيه إلى الصراع العنيف في المجتمع ، و جميع طبقاته وخصوصا لدى الطبقة الفقيرة التي ازداد عدد أعضائها بشكل مفزع ، و مخيف .
و رغم كل هذا نجد أن الطبقة - ( الذين لا يبلغ تعدادهم إلا بعدد اليد الواحدة على الأغلب ) - المسيطرة ترفض الإصلاح الحقيقي للحفاظ على ما لا يمكن الحفاظ عليه إلا بهذا النهج في الاستغلال و الاستعباد لجميع طبقات الشعب و مقدراته و ثرواته .
و السؤال المهم في هذا المقام ، ما العوامل والأسباب التي تمنع الطبقة المسيطرة من الإصلاح الحقيقي ؟ :
الحقيقة أن هناك عوامل ، و أسباب كثيرة تمنع الفئة المسيطرة على مقدرات الأمة من أي خطوة حقيقية للإصلاح منها :
أ‌- العامل القيمي الذي تتبناه النخبة المسيطرة على مقدرات البلاد و العباد :
هذه النخبة تنظر إلى الإصلاح الحقيقي للبلاد على اعتبارها نوعا من التهديد المباشر لسلطانها ، و كيانها ، و استمرارها . فأي إصلاح سيؤدي بوجهة نظرها و منهجها إلى الإطاحة بها لأنها لم تزرع إلى الشوك لشعبها و مناهضيها.
ب‌- العامل الثاني ، فهو متصل بالعامل الأول بشكل مباشر الذي يتمثل بالتصالح ، و مشاركة المعارضين للنظام القائم .
فليس من المتصور أن تسمح تلك الفئة المسيطرة على مقدرات البلاد ، و العباد بالسماح لأي جماعة ، أو حزب أو مؤسسة مدنية بالظهور العلني ، أو حتى المخفي ، و إلا كان القمع هو الاستجابة المتصورة لظهور أي معارضة حقيقية للنظام ، و سلبياته و أركانه .
ج – أما العامل الثالث : فهو ذو طابع سيكولوجي :
يتضمن بأن النخب الجديدة في الطبقة – إن صح التعبير - المسيطرة على مقدرات البلاد تجد صعوبة شديدة في تقاسم القوة أو السلطة حتى لو كان بشكل جزئي .
فأي تنازل أو تقاسم– بحسب تصوره – أن أيام بقائهم في السلطة أصبح معدودا . مما يعني أنه يجب التمسك بالسلطة بكاملها حتى لو كان على حساب حريات ، و حقوق معظم فئات الشعب ، لأن هذا يضمن لهم البقاء ، و الاستمرار في السلطة ، و القوة .
وقد تضطر أمثال هذه السلطة إلى تشكيل بعض الأحزاب الشكلية للمشاركة المحدودة في السلطة دون أي سلطان حقيقي ، فهي قد تعطيهم بعض الوزارات غير السيادية من أمثال وزارة الثقافة و الرعاية والشباب لكي تدور في فلك النظام ، فيردد أفعاله و أقواله .
وعادة قيادة الحزب الأوحد تستخدم ، و تستغل الحزب ، و جميع أعضائه و أفكاره جنبا إلى جنب مع القوة القمعية للدولة لتحقيق أهدافها المبتورة و الأنانية .
ومن المهم الإشارة إليه فيما يتعلق بالمشاركة الفعلية لأعضاء الحزب الأوحد الحاكم ، فالنظام عادة لا يسمح لجميع أعضائه بالسعي الجاد للتطوير ، و التحديث إلا في حدود ما يضمن له السلطة ، و السيطرة الكاملة فمن لم يدور في فلكه فالعزل و التغيب القصري في المرصاد .
و في الحالات النادرة التي يسمح في بالمشاركة الكاملة ، فهو إما أنه لا ينظر لهذه المشاركة على أنها تهديد خطير لبقاء نظامه ، أي أنه يعتبر نظامه ، و كيانه أقوى من أي تهديد قد يتعرض له النظام و أركانه من خلال هذه المشاركة الهامشية الشكلية .
من ناحية ثانية هناك اختلاف بين النظم الحزبية المختلفة في قدرتها على تحقيق المشاركة .
ففي نظام الحزب الأوحد لا يمكن للقوى الاجتماعية الجديدة المشاركة في النظام السياسي إلا من خلال الدخول لهذا الحزب ، أو الدوران في فلكه نفاقا أو مرغما للقمة العيش أو طمعا في سلطان بال .
وبذلك تتسم السبل التي يتيحها أمثال هذا النظام بالبساطة ، وعدم التعقيد و محدودية الطرق المتاحة لاستيعاب القوى الاجتماعية الجديدة أو المهمشة .
كما يمكن لقادة هذا النظام ممارسة درجة عالية جدا من السيطرة على تعبئة الجماعات الجديدة فيه ، و لكنهم لا يخضعون لضغوط تنافسية من أجل اجتذاب الجماهير ، و بالتالي ضمان استمرارهم في السلطة والحكم .
و الملاحظ أن هناك ارتباط قوي بين قوة الحزب الأوحد ، واستمراره ، و بين قدرته على اجتذاب قوى اجتماعية جديدة خصوصا من القوى المثقفة التي لا تحمل أي التزام اتجاه الذات الإلهية أو الضمير الحي من أجل الحصول على الوظائف و الفرص الوظيفية ، و التدرج بها ، و ربما القفز إن أمكن ذلك .
فالمثقف الذي لا يكون من أعضاء الحزب الأوحد لا يمكنه أن يعمل في أي جهاز من أجهزة الدولة مهما كانت شهادته العلمية ، و اختصاصه الدقيق النادر المهم للشعب ، و الوطن لتطويره و تحديثه .
على أن السعي المتزايد لدى الحزب الأوحد إلى استيعاب القوى الاجتماعية باستمرار قد يحقق السيطرة الشمولية على جميع القوى الجماهيرية، بيد أن ذلك سوف يؤدي لا محالة إلى إضعاف وحدة، و انضباط أعضاء الحزب الأوحد .
لذا فإذا ما عجزت قيادات الحزب عن استيعاب تلك القوى الاجتماعية الجديدة ، أو المتزايدة ، فإما أن ينتهي نظام الحزب الأوحد ، وإما أن يستمر هذا النظام معتمدا على القمع ، و معرضا في أي لحظة للانهيار ، و الاضمحلال في مزبلة التاريخ .
الحزب الأوحد ، و الشرعية السياسية :
لا جرم أن جميع الأحزاب ، و الجماعات غير الدينية أو التي لا تتخذ من كتاب الله تعالى و سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دستورا لا يمكن أن توصف بالشرعية أبدا إلا تبريرا لأعمالها أو شراء لصفة المشروعية شراء قهر أو اغتصاب .
و بناء على هذا ، فإن أمثال هذه الأحزاب تعاني مرضا مزمنا في الشرعية لا من منظار أهل القبلة فقط، بل حتى من منظار أركانها ، و أعضائها ، و مؤسسيها و مناظريها .
فهي تشتري مناظريها شراء بالسلطة حينا ، و بالإرهاب حينا آخر ، ولا بأس بالتعاون مع من يستطيع أن ينعق لصالحها ، أو يجد ذلك وفق المعايير المحلية والعالمية .
و يا ليته يلبس العمة ، و يقول في بداية حديثه : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ما دام يشرعها ، و يدافع عنها ، و عن أهدافها ، و أساليبها و شرعية استمراريتها ، و قمع و استغلال شعوبها .
الحزب الأوحد و التكامل القومي :
فمفهوم التكامل القومي بشكل عام يعني : اندماج العناصر الاجتماعية ، و الاقتصادية ، و الدينية ، والعرقية ، والجغرافية في الدولة القومية الواحدة .
و هذا المفهوم ما بين الحزب الأوحد والتكامل القومي يتضمن عنصرين من حيث النظرة لا التطبيق :
أولهما : قدرة الحزب الأوحد على السيطرة على جميع أقاليم البلاد الخاضعة لسيادته .
ثانيهما : توافر مجموعة من الاتجاهات لدى أكثرية الشعب إزاء الأمة عموماً لتشمل الولاء ، و الإخلاص لآمال الأمة القومية فوق الاعتبارات المحلية الضيقة .
والحزب الأوحد عادة يستغل هذا أبشع استغلال للقضاء على مخالفيه بحجة الأمن القومي للأمة ، فيبيع الأمة ومقدراتها بهذه الحجة ، وأمثالها .
وخلاصة ما قلنا يتبين لنا أن كابوس الأحزاب اللادينية وراكبها الحزب الأوحد هو غول هذا الزمان القابع على صدور الأمة وتطلعاتها في النهضة ، والتحرر والتنمية ولا يمكن لأي أمة تريد التنمية والتحرر، و يتربع على صدورها أفكار لادينية وحزب أوحد يستغلها وقيادات معدودة على أصابع اليد الواحد، فأي أمة تلك تريد أن تنهض و تتحضر و تتقدم ، وهذا الكابوس يتربع فوق صدرها ؟!!
0 صوت
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/700
تعليقك
9 + 4 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
المقال السابقة
المقالات المتشابهة المقال التالية
جديد المقالات
القائمة الرئيسية
صوتيات ومرئيات
القائمة البريدية

ادخل بريدك ليصلك جديدنا

ضع ايميلك هنا:

الرجاء ملاحظة أنك بحاجة للبرامج التالية :

Download Windows media Player Download RealPlayer11GOLD Download Flash Player Download Adobe Acrobat Reader Download WinRAR

المعلومات الواردة في هذه الصفحة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وإنما تعبر عن وجهة نظر كاتبها أو قائلها
يحق لك أخي المسلم الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري

جميع الحقوق محفوظة لموقع طريق الحق