سريعًا.. ظهرت تداعيات حظر المآذن في سويسرا لتمتد إلى أوروبا، وكأن ما جرى هو باتفاق مسبق، وبترتيب معد سلفًا، حيث بدأ بعض المتطرفين في أوروبا تجهيز العدة لمنع بناء المساجد، وليس فقط حظر بناء المآذن.
وكانت فرنسا هي أسرع الدول التي ظهرت فيها هذه الحملات العدائية ضد الإسلام والمسلمين، ففي باريس بدأ اكزافييه برتران، الأمين العام للحزب الحاكم (التجمع من أجل الحركة الشعبية)، ومارين لوبين زعيمة تيار اليمين المتطرف، الدعوة إلى حظر بناء المساجد في فرنسا، بعدما زعم يقول: "إننا لا نحتاج بالضرورة إلى المآذن من أجل ممارسة الإسلام".
بدورها، دعت ابنة جان ماري لوبان، رئيس حزب الجبهة الوطنية ـ وهو الحزب المعروف بعدائه للمهاجرين ـ النخب إلى التوقف عن التنكر لتطلعات ومخاوف الشعوب الأوروبية.
وعلى الرغم من أن عدد مآذن المساجد في فرنسا لا يتجاوز عشرة حتى الآن، وأنها لا تستخدم من أجل رفع الأذان، فإن متشددي اليمين أصبحوا يجدون أنفسهم اليوم في الاستفتاء السويسري أمام فرصة مناسبة لإثارة الضجة، حول وجود الإسلام في فرنسا التي كانت من بين أوائل البلدان الأوروبية التي شُيدت فيها المساجد، وخصوصًا بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، التين شارك فيهما مئات الآلاف من المسلمين العرب والأفارقة، وكان لهم دور كبير في تحرير فرنسا من النازية، وقد جرى تشييد المساجد في حينه بمبادرات من الحكومات التي أرادت إبداء الاحترام لهؤلاء الناس، ومن ناحية ثانية كانت فرنسا قد قامت ببناء مساجد لليد العاملة المسلمة، التي استقدمتها منذ بداية القرن الماضي للعمل في مشاريع تشييد بُناها التحتية.
ومؤخرًا، وبعدما وافق رئيس بلدية مدينة "بوردو" آلان جوبيه على بناء مسجد في المدينة، قام أمثال هؤلاء المتطرفين بحملة إعلامية استخدموا فيها التضليل، ونظموا مهرجانًا في الموقع المقرر لبناء المسجد، ونصبوا مكبرات صوت عالية، أطلقوا من خلالها "أهازيج" تحذر المواطنين من خطورة الاستماع إلى أذان المسلمين في كل وقت، وخاصة في أوقات الليل.
وقد تسبب ذلك في قيام أئمة المسجد بالرد على هذه الافتراءات وتوضيح الأمور، مؤكدين أن رفع الأذان ليس مطروحًا؛ لأن المسجد سوف يكون بلا مئذنة أصلاً، في الوقت الذي تحرص وزارة الداخلية والأديان بالوقوف على الحياد.
وفي هذا السياق، تؤكد الوزارة أن المسلمين لا يطالبون بتشييد مآذن، والأمر متروك في نهاية المطاف لرؤساء البلديات، الذين يجب أن يتعاملوا مع المسألة مثلما يتعاطون مع أجراس الكنائس.
أما مئذنة مسجد مدينة ستراسبورج، الذي سيشرع العمل في بنائه، فقد حذفت على المخطط الهندسي، الذي وضعه مهندس فرنسي، وجرى الاعتذار عن ذلك من قبل البلدية التي عدَّت الأمر سهوًا غير متعمد، وأجازت تشييد المئذنة، أما مسجد مرسيليا الكبير، الذي سيتم تشييده في العام المقبل، فإنه تم رفض إقامة المئذنة له.
وعلى أية حال، فإنه على الرغم من أن عدد المآذن لا يزال محدودًا في فرنسا، إلا أن حمم العداء بدأت تتضح في جميع الأحوال ضد المسلمين بفرنسا، على الرغم مما يشهد به كثير ممن يجاورون المساجد بفرنسا أنها لا تزعجهم، وأنها تسببت في خلق علاقة طيبة بينهم وبين القائمين على أمر هذه المساجد.
مسجد باريس
وبالنظر إلى مسجد باريس فإنه لا يُنظر إليه على أنه مبنى للصلاة وفقط، إذ أنه أصبح يقصده المصلون من تلقاء أنفسهم لأغراض عدة خلاف الصلاة، بعدما توسعت أنشطة المساجد لتصبح موقعًا للمناسبات الدينية.
ولهذا لم يتوسع المسلمون في تشييد المآذن، التي يرى المسلمون هناك أنها ليست للمناداة على المصلين عبر المآذن كما هو الحال في البلدان الإسلامية، وأنها لا تخرج عن كونها معلَمًا معماريًّا أكثر منه رمزًا دينيًّا.
وفي هذا السياق، فإن مئذنة مسجد باريس الكبير يبلغ ارتفاعها 30 مترًا، ومئذنة مسجد ضاحية "كريتاي" الباريسية يصل ارتفاعها إلى 25 مترًا، ولا تُستخدمان للنداء في إعلان الصلوات.
كما أن هذا المسجد تحول إلى معلَم أساسي من معالم باريس الكبرى، يرتاده سكان الحي والباريسيون والسياح، حتى أصبح معلَمًا من معالم الدولة الباريسية، فضلاً عما يتمتع به من مرافق هامة من مكتبة ثقافية وحمام شعبي وكافتيريا ومطعم يقدِّم وجبات شرقية.
حملات مغرضة
وعادة ما يبرر معارضو إقامة المآذن مواقفهم بأن تمويل بنائها يأتي من المال العام، وهو الأمر الذي يعتبرونه يتناقض ومبادئ وقوانين العلمانية، التي تنادي بفصل الدين عن الدولة.
ولذلك تسعى هذه المعارضات إلى منع الدولة الفرنسية من تقديم دعم مالي للأديان إلا في حدود معينة، حيث يعتبرون تمويل المساجد وبناء المآذن خرقًا قانونيًّا.
إلا أن هذه المبررات تعتبر في نظر المسلمين بفرنسا واهية، حيث تنحصر هذه المعارضة في اليمين بشقيه التقليدي والمتطرف، مما يعكس رائحة عنصرية وإثارة الخوف من الإسلام، أو ما أصبح يطلق عليه "اسلاموفوبيا"، والسعي إلى تسييس القضية لأهداف انتخابية.
النتيجة السابقة، سبق أن كشف عنها استطلاع للرأي العام في فرنسا، الذي أكد أن إثارة "الهوية الوطنية"، التي يطلقها اليمين المتطرف من وقت لآخر، تعد بمثابة "دعاية انتخابية"، وهو ما يفسر أن أكثر من يعارض بناء المساجد وتشييد المآذن، هم الجماعات التي تتبنى الدفاع عن "الهوية الوطنية"، وترفع شعارات "الاسلاموفوبيا"، وكأن العداء للإسلام أصبح مغلفًا بطابع معماري!
وفي الوقت الذي يعتبر فيه المجلس الدستوري في فرنسا ـ وهو أعلى سلطة قضائية ـ أن بناء المساجد لا يشكل إقلاقًا لراحة السكان، فإن جماعات اليمين المتطرف أو دعاة "الهوية الوطنية" يشنون حربًا شعواء ضد كل من يسعى إلى دعم المسلمين والتعاون معهم لإقامة مساجدهم، وهو ما يفسر أن المساجد والمآذن أصبحت تتعرض لحملة منظمة ومغرضة في الوقت نفسه، وكأن الحملة هي على الإسلام ذاته من خلال شعائره، حتى وإن بدت غير ذلك.