المستثمر المسلم

المستثمر العربي بين مستقبل الصناعة الاقتصاد الإسلامي

وواقع الأزمة المالية

بسم الله الرحمن الرحيم





لقد مر عالمنا في خلال العقود الأربعة الماضية بالعديد من الأزمات المالية ولكن تبقى هذه الأزمة هي الأكثر شدة وتأثيرا على أسواق المال والاقتصاد العالمي ، فالأزمة المالية التي عصفت ببلدان العالم الصناعية كانت أشبه بالزلزال الذي ضرب قواعد وأسس الاقتصاد في دول العالم المتطورة والمتقدمة .

فقد أفاق العالم صبيحة يوم الاثنين 15 أيلول/ سبتمبر 2008 على سوق الأوراق المالية الأميركية في وول ستريت وهي تعيش في كابوس حذّر منه الكثيرون، مؤشرات الانهيارات المتتالية لبنكين أميركيين رئيسيين يومي 13 و14 أيلول/ سبتمبر وضعت العالم في كارثة اقتصادية قادمة تصيب سوق المال الأكبر في العالم ، ولتتأثر اقتصاديات العالم بها بسبب الترابط والتداخل في الاستثمار والنظام المالي والودائع وارتباط العملات الأخرى بالدولار، وبسبب التداين المتبادل بين الولايات المتحدة وهذه الدول ، وانعكست الأزمة والكابوس سريعا على أسعار النفط لتهبط في يوم واحد بمعدل وصل إلى 29% عن سعره يوم 12 أيلول/ سبتمبر 2008.

وقد كان انهيار بنك ليمان براذرز رابع أكبر مصرف استثماري بالولايات المتحدة، ووقوف "إيه آي جي" أضخم شركات التأمين الأمريكية على حافة الإفلاس، بمثابة القناع الذي أبدى تشوه ملامح الاقتصاد الأمريكي، وكشف عن أزمة مالية تحمل للعالم بوادر الكساد.

حيث يرى خبراء المال والاقتصاد أن الأزمة بدأت في قطاع العقارات في الولايات المتحدة تكبر ككرة الثلج، ثم ما لبثت أن تحولت إلى البنوك والأسواق المالية العالمية لتهدد بعد ذلك الاقتصاد العالمي بالدمار.

وكان بنك ليمان أند برذرز قد واجه صعوبات جمة جراء أزمة العقار التي عصفت بالولايات المتحدة، وقد اضطر ليمان لإسقاط أصول بقيمة 5.6 مليارات دولار بالربع الثالث من العام 2007، وأعلن عن خسارة بلغت 3.9 مليارات للربع الثاني من عام 2008، وخسر سهم ليمان أكثر من 92% من قيمته بالمقارنة بأعلى مستوياته عند 67.73 دولار في نوفمبر/ تشرين الثاني 2007.

وأشارت تقديرات خدمة بلومبيرج الاقتصادية الأمريكية المتخصصة إلى أن الأزمة المالية لأسواق المال المرتبطة بإعلان إفلاس بنك "ليمان براذرز" أدت إلى خسائر لحملة الأسهم في بورصات العالم المختلفة تعدت قيمتها الـ 4 تريليونات دولار في أربعة أيام فقط !

من جهة أخرى فان ( AIG ) المجموعة الدولية الأميركية للتأمين، التي تحتل المرتبة الـ35 في التصنيف الأخير لأكبر الشركات العالمية، وتبلغ أصول المجموعة ألف مليار دولار، كانت قد حققت أرباحا صافية بلغت 6.2 مليارات دولار عام 2007، بينما تراجعت قيمة أسهمها في البورصة خلال عام 2008 بنسبة 93%.

كل ذلك كان له الأثر الكبير على سوق الأوراق المالية في البلدان العربية حيث تربطها اتفاقيات دولية وأدى إلى خسائر كبيرة في البورصات العربية وفي البنوك التي تتعامل على نفس المبدأ ومن هنا أتى الدور الذي يعق على عاتق المؤسسات الإسلامية والتي تختلف في مجمل تعاملاتها ومحاسباتها وأنظمتها بدءاً من المنتجات إلى المحاسبة وغيرها ، فبالنسبة للودائع تكون العلاقة بين المودع والبنك التقليدي علاقة قرض بفائدة (دائن ـ مدين ) بينما المصارف الإسلامية العلاقة تقوم على عقد المضاربة الشرعية ( القائم على أساس المشاركة في الربح والخسارة ) ، كذلك الاختلاف في التمويل فالبنك التقليدي يستخدم أسلوب منح القرض بالفائدة الصريحة ، بينما في المصارف الإسلامية يتم استخدام صيغ التمويل الشرعية .

ومن حيث المنطق فإن الأزمة العالمية تولدت أساسا من أزمة الرهن العقاري حيث كان هناك طلب متزايد على القروض التي كانت تعطى من البنك العقاري ومفروض معها فوائد عالية نتيجة الجشع الحاصل في النظام الرأسمالي ، مما أدى إلى زيادة مضطردة بحجم الفوائد على عاتق المواطن الأمريكي ، الأمر الذي لم يمكنه من القدرة على السداد فأصبح في حالة شلل تام أمام المدفوعات التي تخص العقار وهذا انعكس سلبيا على حالة البنوك فولدت بمجملها عوامل الأزمة المالية .

وفي العودة إلى تأثيرات الأزمة على البنوك الإسلامية وطرق التعامل معها فقد قال الدكتور وليد وهيب ممثل مجموعة البنك الإسلامي للتنمية والرئيس التنفيذي للمؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة ITFC في ندوة الأزمة المالية الدولية وانعكاساتها على أسواق المال والاقتصاد العربي التي أنعقدت في عمان يوم 8/11/2008 (( إن مجموعة البنك الإسلامي للتنمية بما فيها مؤسستكم المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة ، ومنذ أن لاحت بوادر الأزمة المالية ، عكفت مثلها مثل كل المؤسسات المالية الدولية الأخرى على مراقبة ما ستتمخض عنه هذه الأزمة

وقامت المجموعة بتشكيل فرق العمل المتخصصة لمراقبة ومتابعة تطورات الأزمة والمساهمة الإيجابية الفاعلة تجاهها وحرصت كذلك مجموعة البنك على المشاركة في كافة اللقاءات المحلية أو الإقليمية والدولية التي تمت خلال الفترة السابقة والتي تناولت هذه القضية لمواكبة التطورات الناتجة عنها. كما قامت المجموعة بتنظيم ندوة للمؤسسات المالية الإسلامية لبحث تداعيات الأزمة على الأنظمة المالية المصرفية)).

ويكمل قائلاُ ( لعل الفرصة من الأزمة هي زيادة حجم الاستثمارات في الدول الإسلامية لكي ينعكس ذلك أيضا على حجم التجارة البينية بين هذه الدول وبالأخص في مجالات تطوير الخدمات اللوجستية وتطوير البنية الأساسية والاستثمار لتنمية السلع الأساسية وهذا ينصب في صميم أهداف مؤسستكم المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة وسيعمل على تعزيز التجارة البينية من أجل حياة أفضل لشعوب أمتنا الإسلامية ).

ولذلك فالنظرية الرأسمالية أطلقت للأفراد حرية التملك ، وتنمية المال بأي وجه ، وكان فيها من مقومات التوحش والتسلط ما سمح للأقوياء أن يسحقوا الضعفاء ، وللأغنياء أن يبيدوا الفقراء ، بمسوغات السوق الحر ، والتجارة الحرة ، وكانت الغلبة أولا لأرباب هذه النظرية فتفكك الإتحاد السوفيتي الراعي للاشتراكية ، وهُدم جدار برلين ، وتحول الشرقيون إلى غربيين ، وانتفخ الرأسماليون مزهوون بالنصر ، وزعموا أن نهاية التأريخ كانت عند نظريتهم تلك ، وأن نظامهم هو أصلح نظام انتهجه البشر وأقواه وأبقاه ، ثم سعوا بقوتهم وإرهابهم إلى جعل نهاية الجغرافيا عند نظريتهم تلك بعولمة العالم كله على وفقها ، وإلغاء أي نظام لا يخضع لها ، واستخدام القوة والحصار أي الحصار الاقتصادي والثقافي والاجتماعي من خلال فرض طرق التعامل بالمال المتبعة في نظامهم وخرجوا لنا أخيراُ بنظام العولمة .

فكانت النتيجة التي تبعت هذا النظام هو سقوط العالم إلى الانحدار في أزمة مالية عالمية واقتصادية شديدة أدت لحد الآن إلى إفلاس 43 مؤسسة بنكية في أمريكا وإفلاس شركة جنرال موتورز عملاق الصناعة الأمريكية في مجال السيارات ، وخسائر ضخمة تقدر بـ تريليونات الدولارات وزيادة العاطلين عن العمل بنسب كبيرة نتيجة تعرض الكثير من الشركات العالمية إلى خسائر كبيرة في الربع الأخير من عام 2008 والربع الأول من عام 2009 ، فمع هذه الانتكاسات المتتابعة صار حديث المفكرين الغربيين الآن عن عصر ما بعد العولمة عن البديل الأفضل ، بل وعصر ما بعد الرأسمالية ، وبان لهم بأن التأريخ لم ينته عند القيم الرأسمالية الليبرالية .

ومن هنا يأتي الدور على المستثمر العربي المسلم أن يضع ثقة كبيرة في الصناعات الإسلامية في دول العالم الإسلامي ويدعمها ويعطيها القوة المركزية لكي تكون المنافس الأول في ميدان العمل في أسواق المال ، وتحويل قطاع الاقتصاد في دولنا العربية إلى قطاع يعتمد بالأساس على الخبرات المتوفرة في مجال الصيرفة الإسلامية وكيفية تحاشيها للأخطاء التي قد تحدث نتيجة تعرضها لمخاطر العولمة ، وتقوية العنصر الرئيسي فيها المستمد من الحكمة الشرعية الإلهية مبدأ الربح والخسارة والقضاء بشكل تام على الطمع في تحقيق مكاسب كبيرة من جراء توليد المال بمال المعتمد لدى دول الغرب .

وبالنهاية تحتاج الأمة إلى عقول مدبرة ومنتجة للأفكار لكي تحارب بشراسة كل تحديات العالم الآخر ولا يأتي هذا إلا من تكاتف أموال المستثمرين العرب والمسلمين في كل أنحاء المعمورة وجعلها في خدمة الصناعة الإسلامية التي يتوقع المراقبون لها من الأوربيين قبل المسلمين مستقبل مزدهر في ظل تطورات الأزمة المالية .















تاريخ الاضافة: 25-06-2009
طباعة